نقل المومياوات الملكية: وحّد العالم  .. وقسّم التونسيين

نقل المومياوات الملكية: وحّد العالم  .. وقسّم التونسيين


خديجة زروق

لم يكن حدث نقل “المومياوات الملكية” حدثا عاديا بكل المقاييس. فقد عملت مصر على إخراجه في أفضل صورة، مستعملة أقصى ما أدركه المصريون من مهارات وقدرات في التصوير والإضاءة وفنون الإبهار والديكور المُستلهم من تاريخ مصر القديمة. تمثّل فيه الأحفادُ عبقرية الأجداد وإبداعاتهم. وجنّد المصريون كلّ إمكاناتهم وتشاركوا في صياغة “قطعة تاريخية” فنّية فريدة. إذ شارك الفنانون بأصواتهم وعزفهم وآلاتهم، وشارك النّحاتون بأعمالهم الفنية وشارك التصنيع الحربي في الجيش المصري في تصنيع عربات “نقل المومياوات”، وتمّ في لحظات شدّت إليها العالم إعادة كتابة التاريخ المصري، وتجسيد فكرة “الخلود الأبدي” الذي لطالما أرّق تفكير المصريين القٌدامى، فخرج المُلوك في جولة أخرى لـــ “تفقّد” مملكتهم والاطلاع على ما بلغَهُ الأحفاد من مجدٍ.

استغلّت مصر هذا الحدث الهام، لتُبرز أصالة تاريخها، ولتُذكّر بفضل حضارتها على العالم. طرحت مسألة “الملوك” وطبيعة ترتيب المتحف المصري مسألة حضارية جوهرية. وهي مدى القدرة بعد اليوم على “الاستسلام” للسردية الأوروبية لتاريخ الحضارة البشرية، فقد عملت “المركزية الأوروبية” على جعل أوروبا مركزا للحضارة الإنسانية وذات الفضل على غيرها من الشعوب، والحال أن هذه المسألة صارت اليوم موجبة للمراجعة، فعن أي حضارة يتحدث الأوروبيون عندما ننظر إلى المصريين والبابليين والفينيقيين والصينيين والهنود وغيرهم من حضارات البشرية القديمة. تم استغلال هذا الحدث حتى تُعيد تموقعها اليوم في محيط مضطرب. وكانت فرصة لتقول مصر أنها قوة إقليمية لا يُمكن تجاوزها في أية تسويات تهم الشرق الأوسط وإفريقيا وحوض البحر المتوسط. كما كان الامر رسالة ثقافية أيضا وفتحا لآفاق استثمارات وجذب للسياحة في العالم.

من جهة أخرى استغل الرئيس عبد الفتاح السيسي هذا الحدث الاستثنائي، لإبراز “نهضة مصر” الحالية، وما تعيشه من تحوّلات عمرانية وقفزات علمية وفنية وتطوّر ونظام. وقد تمّ الاشتغال بشكل فني مُميّز على “صورة المشير” أثناء تنقّله لاستقبال المومياء في مشهد رمزي يجعله خارجا من سراديب التاريخ، فبدا وهو يمشي وحيدا في ثنايا الأروقة حفيدا يضمن تواصل سلالة الأسر الفرعونية الحاكمة، وختمه بصورته واقفا وحيدا شامخا في استقبال “الجثامين” مرفوقا بموسيقى جنائزية بديعة.

ولم يكن هذا الاشتغال على الأبّهة التي تُبرزُ عظمة مصر وعُمق تاريخها بعيدا في الحقيقة، على كيفيات اشتغال “الذهن السياسي” الاستبدادي، إذ عملت الأنظمة الشمولية منذ فجر التاريخ وخاصة في القرن العشرين على الاهتمام بعظمة البناءات والتشييد، كما اهتمت بمخاطبة وجدان شعوبها وتحريك “النزعة” القومية/الوطنية من أجل دفعها نحو التوحُّد حول القائد “المُلهم” أو “الحزب الرائد”.

كان يُمكن للنّخب التونسية أن تهتم بمختلف هذه الزوايا، وأن تقرأ خاصة دروس التاريخ، حتى تعمل على بناء قراءة عقلانية لتاريخها، وتعمل على “تثمين” ما فيه. فتاريخ الحضارة التونسية ثريّ وبه “كنوز” مايزال أغلبُها مطمورا في الرمال. يختلف التونسيون في كلّ شيء، على الاستقلال والدولة وأعيادها، فلكل فئة “مسيحُها” وزعماؤها ولكل “شرذمة” تاريخُها وقصّتُها الخاصة بها، ولكل طائفة قراءاتها وأحلامها ومستقبلُها. وانعكس ذلك جليّا في المواقف التي طوّرها التونسيون من “نقل الملوك” المصريين، ولم تكن المواقف في الحقيقة بعيدة على “الاحتقان الايديولوجي” والانقسام السياسي الذي يشقّ التونسيين، فقد عملت “النّخب” المُعارضة للإخوان في مصر ولحركة النهضة في تونس على إبراز عظمة هذا الحدث، وكان الأمر فُرصة للنيل من “الانتقال الديمقراطي” وتتفيه الديمقراطية وترذيل الحريات، في انتصار إلى “النظام” وقوة القانون اللذان يُمثلهما السيسي، بل إن بعض نُشطاء التواصل الاجتماعي، قرنوا بين عظمة الحدث ونجاح “السيسي في التخلّص من الإخوان”.

وعلى النقيض من ذلك، عمل بعض الناشطين المُعارضين للسيسي ونظامه أو القريبين من الإخوان الى تتفيه الحدث والتذكير بــ”جرائم” النظام المصري وغياب الحريات والديمقراطية. وكان الامر فُرصة عندهم للنيل من قيمة الحدث نفسه، وسلبه كلّ إبداع او براعة فنية أو أثر ثقافي وتاريخي وسياحي.

فقد كتب الدكتور عدنان مُنصر، الوزير مدير ديوان الرئيس الأسبق منصف المرزوقي المعروف بعدائه الصريح لنظام الرئيس السيسي قائلا “إن تقبّل شعب ما مشاهدة نقل المومياوات المصرية الذي جدّ هو دليل على انه مستعد لتقبّل الاستبداد”  وأضاف في تدوينة طويلة على صفحته بموقع الفايس بوك “ان الحدث الذي حصل في مصر اليوم يندرجُ ضمن سلوك كلاسيكي عند الأنظمة الاستبدادية وهو تقديم الفرجة والإنفاق عليها بلا حدود، من أجل التخفي وراء معاني “الوطن” والتاريخ وترسيخ فكرة ان هذه الأنظمة هي امتداد لذلك التاريخ ولتلك العظمة” وتساءل “ما قيمة تاريخ عظيم إذا كان من يستعملُه في دعايته اليوم هو نقيضه الحضاري؟….وذلك دليل على ان الاستبداد يُبدعُ في الدعاية، وأن قسما كبيرا من الناس يُبدعُ في تشرّب تلك الدعاية”.

أما الاستاذة ألفة يوسف المعروفة بمواقفها المُناهضة للاخوان فإنها إتخذت موقفا مُغايرا فقد كتبت ” ما أقيم في مصر يتجاوز الحفل الثقافي العظيم ليكون ابداعا فنيا انسانيا وصورة عن تطور هذه البلاد اقتصاديا” وأضافت في تدوينتها ” الادعاء ان مصر ديكتاتورية والتذكير بهذا في كل آن يقوم على تمثّل سطحي للانظمة” وختمت قائلة “ليس الحكم المصري النموذج الذي احلم به…لكن بعض نتائجه موفقة جدا..”

لطفي زيتون الوزير السابق والقيادي المستقيل من حركة النهضة كتب نصا طويلا حول المناسبة يبدو فيه بوضوح تخلّصه من “وطأة الايديولوجيا”، أشاد فيه بما تحقق وما أُنجز مستغلا الامر ليُذكّر بعظمة تاريخ الحضارة التونسية وضرورة تثمينه فقد وصف الحدث بكونه “موكب ضخم وفخم تحول إلى حدث عالمي نقلته على المباشر مئات القنوات التلفزية.” وعاد لطفي زيتون الى بعض ردود الافعال السلبية فكتب ” اذا استثنينا ردود الافعال السلبية لخصوم النظام المصري فقد مثل نقل المومياوات حدثا من شأنه انعاش السياحة المصرية وتمتين الحس الوطني وتعزيز مشاعر الفخر لدى المصريين بتاريخهم وبلادهم وكسبهم الحضاري في مختلف عصورهم” .

ولم ينس لطفي زيتون استغلال هذا الحدث ليُعرّج على قلق التونسيين وحُزنهم فقال “أثار الموكب أيضا ردودا في مواقع التواصل الاجتماعي التونسية غلبن عليها الحسرة والحزن لعجز بلادنا عن تثمين تاريخها القديم الذي شهد صعودها لتكون مركز إشعاع إنساني لما يقارب الألف سنة من الحكم البونيقي الذي احتضنه سلاطين الامازيغ الذين استبقوا قدوم الفينيقيين في القرن التاسع قبل الميلاد بالصعود قبلها بمائة سنة الى حكم مصر ( ملوك الأسرة الثانية والعشرين والثالثة والعشرين ذات الأصول الامازيغية)

يستغرب التونسيون كيف لبلد شهد تأسيس أول ديموقراطية غير وراثية في التاريخ قبل ثلاثة ألاف سنة وشهد تأسيس أول مؤسسات المسيحية الأولى وكان موطنا للكنيسة الدوناتية وشهد تأسيس الكاثوليكية وبه أقدم معابد اليهودية واقدم المساجد بعد الحرمين  ان يكون بهذا الفقر التاريخي..؟

وختم زيتون تدوينته بالحديث عن “الأمة التونسية”  في تحوّل لافت، ويُضيف “ذلك هو المفهوم الذي سيعيدنا الى مركز العالم وبغيابه غبنا عن منصة التاريخ” ..

لقد كان حدث نقل المومياوات حدثا لافتا في مصر والعالم، وكان محلّ متابعة من التونسيين بكل شغفٍ، وظهر ذلك من خلال نشر وإعادة نشر وقائع الحدث وصوره وتسجيلاته وموسيقاه. وعمّق ايضا الانقسام الحاصل داخل النخب السياسية، وإذا كان الحدث قد وحّد المصريين وجمّع العالم فإنه قسّم التونسيين وفرقهم.





Source link

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *